كل ما اقترفه العرب في الداخل أنهم أخذوا الانتخابات بجدية وخرجوا لصناديقها وصوّتوا لقوائمهم العربية. ومن يومها لم يهدأ للعنصريين بال ولا حال في إسرائيل. "العرب سرقوا الانتخابات" جملة تحولت إلى مقولة رائجة عن الانتخابات ونتائجها، يتداولها بعض الساسة والإعلاميين الإسرائيليين في الأيام الأخيرة. وفي تعبير "سرقوا" تهمة لا يُقصد بها بالضرورة "التزوير" بقدر ما يُقصد بها "التطاول" على الانتخابات، رغم تأكيد لجنة الانتخابات نزاهتها. بالنسبة إلى كل من يمتّ لمعسكر نتنياهو ويمينه بصلة، فإن العرب تطاولوا على الانتخابات بنسبة تصويتهم غير المسبوقة منذ عقود، الأمر الذي منع الائتلاف الحالي من العودة، وبالتالي عقّد المشهد السياسي من ناحية سؤال: من يكون رئيس الحكومة القادم؟ وكيف؟ من ناحية نتنياهو وطغمته، هذا "تطاول" سياسي من العرب على الخريطة السياسية الإسرائيلية.
طبعًا، لمقولة "العرب سرقوا الانتخابات" وجه تشكيكي أكيد، عبّر عنه نتنياهو كاستعاضة عن الاعتراف بخسارته، وطالب بتحقيق في سير العملية الانتخابية في المجتمع العربي. اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان، منها الادعاء بمال سياسي مصدره الخارج "استخدمته الأحزاب العربية في الانتخابات"، في محاولة لنزع الشرعية عن نتائج الانتخابات وخيارات ناخبيها، وقد بدأت تترتب عليها ملاحقات سياسية على شكل استدعاءات للتحقيق مع نواب حاليين وسابقين عرب، واعتقالات لنشطاء وإعلاميين لمجرد أنهم كانوا خارج البلاد قبيل الانتخابات، مثلما حدث حين اعتُقل الزميل عبد أبو شحادة مؤخرًا.
ومن الأهمية بمكان التنبيه إلى أن التشكيك بنتائج الانتخابات والتحريض على العرب تحديدًا، يهدف إلى خلق مناخ ترهيبي يرهب أجواء مساعي تشكيل حكومة بديلة عن نتنياهو وطغمته، بما يمنع من تشكيل حكومة للعرب دور في ولادتها، بصرف النظر عن شكل هذا الدور ومن يقوم به من القوائم العربية. وبما يعطّل مسار تشكيل حكومة بديلة نحو حكومة وحدة وطنية أو إعادة الانتخابات، وهو ما يسعى له نتنياهو لاستئناف فرصة عودته لرئاسة الحكومة.
في مسح لمواقع التواصل والمنصات الإعلامية الصهيونية عن الانتخابات ونتائجها، تحريض يستولد معجمه العنصري على مدار الساعة، إلى حد اعتبار ما جرى في الانتخابات بمثابة "7 أكتوبر انتخابي"، في محاولة لتجريم العرب لمجرد تعبيرهم عن إرادتهم السياسية عبر الصناديق، ولتأليب المجتمع الإسرائيلي اليميني عليهم. لكن ما بدا ملفتًا أكثر هو المحاضرات التحليلية عن نتائج الانتخابات عبر تطبيق "زووم"، منها ما نُشر مؤخرًا على "يوتيوب"، وكذلك مقابلات في برامج بودكاست إسرائيلية مع باحثين مختصين وأساتذة جامعيين، ومنهم من يُعرَّفون كمستشرقين "مزراحانيم" مختصين في شؤون العرب، جيء بهم لتحليل نتائج الانتخابات وتحديدًا للإجابة عن سؤال: "على ماذا صوّت العرب؟ وكيف؟"، وقد أتيح لنا مشاهدة بعضها في الأيام الأخيرة.
ومع أن ثمة قراءة موضوعية لدوافع تصويت العرب واستنفارهم بنسبة تصويت غير مسبوقة في أوساط يهودية، لناحية الموقف من نتنياهو وسياسات حكومته الفاشية على مدار السنوات الأربع الماضية، إلا أن ثمة قراءات تحريضية في تحليلها كذلك تمثل رافدًا للتحريض الشعبوي الإعلامي الدائر في الشارع الإسرائيلي. طبعًا، هناك من يقدم قراءة حول تصويت العرب ودوافعه مستعينًا بحقائق جزئية من أجل خلق كذبة كاملة، تصب في دائرة التحريض على العرب الذين صاروا "ماردًا خرج من القمقم ويجب إعادته"، كما شبّه أحد الأكاديميين الإسرائيليين تعاطي العرب مع الانتخابات، وذلك بما يدفع نحو التشكيك ليس بالانتخابات وشرعية نتائجها، إنما بنوايا العرب في نتائجها سياسيًا، مما يتطلب، برأي هؤلاء، البحث عن مخرج لعدم السماح للعرب بأن يكون لهم رأي في مسار الخريطة السياسية الإسرائيلية.
طبعًا، لم تخلُ التحليلات من عُقد استعلائية - استشراقية في تفسير مظاهر اجتماعية صاحبت يوم الانتخابات في المجتمع العربي. منها، على سبيل المثال، ركوب مواطنين عرب مطاياهم من خيل وجمال على شكل قوافل جابت شوارع وحواري بعض البلدات البدوية في النقب، يحملون أعلامًا خضراء (أعلام القائمة الموحدة)، كما لو أنها نموذج "من حالة إسلامية رجعية تشي بتهديد سياسي – اجتماعي محتمل في المستقبل"، بزعم أحد السوسيولوجيين الإسرائيليين. وهذا في نفس إطار ما حرّضت عليه إحدى الإعلاميات الإسرائيليات ضد نساء النقب لمجرد خياراتهن في لباسهن وأسلوب حياتهن. وهذا فضلًا عن ادعاءات حول "العثور في يوم الانتخابات على صناديق مملوءة بمظاريف مال لتوزيعها على الناخبين".
لم يتقبل اليمين الصهيوني الذي يقف على رأسه نتنياهو نتائج الانتخابات، فوجد ضالته في شن حرب إعلامية تشكك في شرعية العرب السياسية. والذين رفضوا ممن يُعرَفون بمعسكر المركز - يسار تشكيك نتنياهو ويمينه بنتائج الانتخابات ونزاهتها، ليس دفاعًا عن حق العرب وشرعيتهم، إنما لأنهم أدركوا أنهم أول من يقصدهم نتنياهو ومعسكره في التشكيك والتحريض. فآيزنكوت يرفض رفض نتنياهو لنتائج الانتخابات، لكنه يُبدي تحفظًا على الشرعية السياسية للعرب من خلال إملاءاته الأربعة التي يعتبرها شروطًا لشرعية أي ائتلاف حكومي قادم.
ليس التحريض بحملته المسعورة الدائرة مؤخرًا مجرد غيمة عابرة متصلة بالانتخابات وأجواء ما بعدها، بقدر ما أنه حلقة في مسلسل التحريض والملاحقة المستمرة. وليس علينا كعرب الإرباك والخوف من ترهيبنا لمجرد أننا عبّرنا عن إرادتنا السياسية وموقفنا من سياسات الحكومة الحالية. ثمة منعطف شكّلته هذه الانتخابات ودورنا كعرب فيها، بصرف النظر عن شكل وماهية الحكومة القادمة. وليس من خيارات لنا كعرب غير رفض الترهيب والإملاءات معًا، والتمسك بضرورة وحدتنا، والعمل كجماعة سياسية تنزع نحو مصير آمن وكريم مشترك.
عن تحليلنا كرافد للتحريض علينا
كل ما اقترفه العرب في الداخل أنهم أخذوا الانتخابات بجدية وخرجوا لصناديقها وصوّتوا لقوائمهم العربية. ومن يومها لم يهدأ للعنصريين بال ولا حال في إسرائيل. "العرب سرقوا الانتخابات" جملة تحولت إلى مقولة رائجة عن الانتخابات ونتائجها، يتداولها بعض الساسة والإعلاميين
