أدخلت الشروط التعجيزية التي وضعها آيزنكوت لقبول القوائم العربية في حكومته هذه القوائم، ولا سيما قيادة القائمة العربية الموحدة، في حالة إرباك سياسي واضحة. وقد لوحظ أن معظم أقطابها وجدوا أنفسهم في موقع الدفاع بدل المبادرة إلى الهجوم، بما لا يتناسب مع ما يُفترض أن يولّده الصعود غير المسبوق للقوة الانتخابية العربية من ثقة بالذات وروح مبادرة سياسية. وربما لم يتوقع البعض أن يقدم قائد معسكر التغيير اليميني، وصاحب عقيدة الضاحية، شروطًا صهيونية بهذا القدر من الصراحة والوقاحة، لقبول الدعم العربي. فقد صوّت العرب لإسقاط أحد أكثر أجنحة الحركة الصهيونية توحشًا وهمجية، وللتخفيف من هذا التوحش، ليس على فلسطينيي الداخل فحسب، بل على عموم شعبنا الفلسطيني.
لكن الانغماس في تفاصيل المشهد السياسي الإسرائيلي، وفي الحسابات والمفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة، قد يجعلنا نتعامل مع ما يجري وكأننا أمام أزمة سياسية داخلية عادية، فيما نحن في الحقيقة أمام محطة أخرى من محطات صراع تاريخي طويل، وهي بالفعل من أخطر محطاته. لذلك تبرز ضرورة التذكير المستمر بالبوصلة السياسية، ووضع كل نقاش حول الخيارات البرلمانية والتحالفات المحتملة في إطار الصراع الأكبر: صراع شعب واقع تحت نظام استعماري استيطاني وأبارتهايدي، يمارس الإبادة والمحو بحقه.
ولا يعني التذكير بالبوصلة الوطنية رفض الممارسة البراغماتية أو الدعوة إلى الامتناع عن استثمار التناقضات السياسية، بل إننا نحتاج إلى هذه الممارسة، خصوصًا في ظل غياب مشروع تحرري فلسطيني موحد وفاعل وواعد، وفي ظل حالة عربية بالغة التردي ونظام عالمي ظالم. لكن المطلوب أن تظل البراغماتية محكومة بسقف وطني واضح، وبضوابط سياسية وأخلاقية تمنع تحولها إلى تنازلات عن الثوابت أو انزلاق تدريجي نحو الاندماج في النظام. فنحن لسنا أمام مرحلة انتهى فيها الصراع، بل أمام واحدة من أخطر مراحله، ضمن مسار تحرري طويل لم تُحسم نتائجه بعد.
تكشف نتائج الانتخابات الإسرائيلية عن ثلاثة أمور مترابطة. أولًا، أن التصويت العربي المكثف جعل الفلسطينيين في الداخل قوة انتخابية يصعب تجاهلها، وهو ما أثار حملة تحريضية واسعة، وصلت إلى مستويات خطيرة، من جانب معسكر اليمين الفاشي الحاكم وأوساط داخل معسكر التغيير اليميني المعارض. ثانيًا، أن ما يُسمّى بالمعارضة الصهيونية لا يختلف، في جوهره، عن الائتلاف الحاكم في تعريف إسرائيل دولة يهودية، ولا في الشروط التي يضعها لقبول الدعم العربي. وثالثًا، أن القائمة المشتركة تواجه اختبارًا سياسيًا جديًا: هل ستستخدم وزنها الانتخابي للنهوض بواقع فلسطينيي الـ48، ولتعزيز الانتماء للوجود الوطني الفلسطيني، أم ستنجرف وراء إغراء التأثير في تشكيل الحكومة، على حساب الموقف الوطني؟
لقد أعادت الحملة التحريضية الهستيرية التي أعقبت النتائج، والتشكيك في شرعية التصويت العربي، الكشف عن التناقض الصارخ بين ادعاء الديمقراطية ورفض الاعتراف بالفلسطينيين شركاء متساوين. لكن هذا النجاح الانتخابي لا ينبغي أن يحجب حقيقة أساسية: في ظروف ثورية وأخلاقية صرفة، كان الموقف المبدئي هو مقاطعة برلمان الأبارتهايد، باعتباره مؤسسة من مؤسسات النظام الاستعماري، لا ساحة محايدة لتحقيق المساواة. واستحضار هذا الموقف التاريخي ضروري للحفاظ على الذاكرة الوطنية، وعلى الوعي بطبيعة المؤسسة التي نشارك في انتخابها، باعتباره بوصلة توجه سلوكنا السياسي.
غير أن غالبية الناس اختارت المشاركة، لا تعبيرًا عن الثقة بالديمقراطية الإسرائيلية أو قبولًا بشرعية النظام، بل دفاعًا عن نفسها وحقوقها ووجودها، في ظل غياب حالة نضالية فلسطينية ثورية ومشروع تحرري جامع، وفي مواجهة الإبادة والتطهير العرقي، وتصاعد الجريمة وهدم البيوت ونهب الأرض والعنصرية وسياسات الإقصاء. والمفارقة أن المشاركة العربية في الانتخابات تحولت إلى عامل مزعج ومربك في حسابات المنظومة الصهيونية، وهو ما عكسته ردود الفعل على النتائج. وقد استوعب هذه الحقيقة حتى بعض المقاطعين التاريخيين للمشاركة، إذ أدركوا أن من غير الثوري أو المبدئي إدانة نحو 80% من أبناء شعبنا أو شتمهم لأنهم اختاروا الدفاع عن وجودهم من خلال المشاركة في الانتخابات. ومع ذلك، تظل المقاطعة، في ظروف سياسية ونضالية ملائمة، سلاحًا تعبويًا مهمًا، ينبغي ألا يُسقط من الذاكرة الوطنية أو من العملية التحررية، لأن الصراع الذي نخوضه صراع وجودي ممتد.
لكن المشاركة ذات الطابع الدفاعي لا تتحول تلقائيًا إلى استراتيجية تحررية، ولا تمنح الممثلين تفويضًا مفتوحًا للتنازل عن الثوابت الوطنية. وهذه هي المسألة الأساسية التي ينبغي أن تحكم سلوك القائمة المشتركة.
من مساءلة بنية الدولة إلى خطر الاندماج فيها
شهد الوعي السياسي لفلسطينيي الداخل تطورًا تاريخيًا مهمًا، انتقل من المطالبة بالمساواة إلى مساءلة تعريف إسرائيل دولة يهودية، وصولًا إلى كشف بنيتها الاستعمارية والعنصرية. وقد عبّرت محطات سياسية وتنظيمية مختلفة، من الحزب الشيوعي وحركة الأرض وأبناء البلد والحركة الإسلامية والحركة التقدمية إلى التجمع الوطني الديمقراطي، عن جوانب من هذا التطور وتناقضاته. وجاء قانون القومية ليعيد التأكيد على استحالة تحقيق المساواة الكاملة في دولة تجعل الامتياز القومي اليهودي أساسًا دستوريًا لها، بل ليكشف عن مشروعه التوسعي الإحلالي.
في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع التجربة المتهورة والصبيانية لمنصور عباس وفريقه باعتبارها مجرد اجتهاد براغماتي أو اختلاف في أساليب العمل السياسي. إنها تمثل تراجعًا سياسيًا وفكريًا خطيرًا؛ فبدل مساءلة بنية الدولة الاستعمارية وتعريفها الصهيوني، يجري نقل النقاش إلى كيفية تحسين شروط الفلسطينيين داخلها، مع التسليم بالثوابت الصهيونية؛ بالهوية اليهودية الإقصائية، والتخلي التدريجي عن القضية الوطنية. وحين يصبح الاعتراف بيهودية الدولة شرطًا مسبقًا للتأثير السياسي، تتحول البراغماتية من أداة لاستثمار التناقضات إلى أداة لتطبيع الصهيونية داخل المجتمع الفلسطيني وإعادة إنتاج شروط الخضوع والذل.
ولا تكمن المشكلة في المطالبة بالميزانيات أو مكافحة الجريمة أو تحسين التعليم والصحة والخدمات؛ فهذه حقوق أساسية لا يجوز التنازل عنها، ولا ينبغي التقليل من أهميتها في حياة الناس، والنضال من أجلها. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المطالب إلى بديل عن الحقوق الوطنية، أو إلى مقابل للصمت عن الاحتلال والحرب والتمييز القومي. فالاندماج لا يحدث بالضرورة من خلال إعلان سياسي صريح، بل قد يتسلل تدريجيًا عبر تنازلات صغيرة، يُبرَّر كل منها بأنه مؤقت وضروري وواقعي، إلى أن يصبح الاستثناء قاعدة، ويتآكل الموقف الوطني من الداخل، وتتحول الصهينة إلى ممارسة شرعية.
ضوابط لا يجوز تجاوزها
لا ينبغي اختزال النقاش في ثنائية المشاركة في الحكومة أو عدم المشاركة فيها. فهناك تمايزات سياسية مهمة بين الدخول في الائتلاف الحكومي، ودعمه من الخارج، والامتناع عن إسقاطه في تصويت معين، والتفاوض على قضايا مدنية واجتماعية محددة. لكن دعم الحكومة من الخارج ليس بريئًا تلقائيًا، ولا يمكن اعتباره أقل خطورة من المشاركة فيها لمجرد أنه لا يمنح مقاعد وزارية. فقد يتحول، في ظروف معينة، إلى شراكة فعلية في ضمان استمرار الحكومة وتوفير الغطاء السياسي لها، من دون تحمل المسؤولية العلنية عن سياساتها.
ولهذا، فإن أي قرار بشأن التعامل مع الحكومة أو المعارضة يجب أن يخضع لضوابط سياسية واضحة ومعلنة:
1. رفض الاعتراف بيهودية الدولة شرطًا للتأثير السياسي: فهذا الاعتراف يعني القبول بالامتياز القومي اليهودي، والتخلي عن مساءلة الأساس الدستوري والسياسي للنظام الذي يضطهد الفلسطينيين ويجردهم من حقوقهم.
2. الحفاظ على الاستقلال السياسي والوطني: لا يجوز التحول إلى جزء من معسكر صهيوني، أو رهن القرار الفلسطيني برضا أحزاب المعارضة وشروطها، أو جعل مستقبل العمل السياسي الفلسطيني مرهونًا بحسابات التنافس بين المعسكرات الإسرائيلية.
3. عدم توفير غطاء للحرب والاحتلال والاستيطان والتهجير: لا يجوز مقايضة الصمت عن جرائم الدولة بحقوق الفلسطينيين وميزانياتهم. وينبغي أن يكون الموقف من الحرب والاحتلال والحقوق الوطنية واضحًا وغير خاضع للمساومة.
4. عدم تحويل الدعم الخارجي إلى شراكة غير معلنة في الحكم: يجب تقييم كل تصويت أو تفاهم وفق أثره السياسي الفعلي، لا وفق التسمية التي تُطلق عليه. والسؤال الحاسم هو: هل يخدم مطلبًا مدنيًا محددًا، أم يمنح الحكومة شبكة أمان تتيح لها مواصلة برنامجها؟
5. الشفافية والمساءلة الشعبية: لا يجوز حسم تفاهمات مصيرية في غرف مغلقة، أو تقديمها للجمهور بعد اتخاذ القرار باعتبارها أمرًا واقعًا. يجب إعلان التفاهمات وإخضاعها لنقاش الهيئات الحزبية والجمهور.
6. عدم اختزال السياسة في الميزانيات والخدمات: الحقوق الاجتماعية والمدنية جزء لا يتجزأ من النضال، لكن لا يجوز أن تحل محل الحقوق الوطنية والجماعية، أو أن تصبح معيارًا وحيدًا لتقييم النجاح السياسي.
7. ربط العمل البرلماني بالتنظيم الشعبي: لا قيمة سياسية مستدامة للوزن الانتخابي إذا لم يستند إلى حركة جماهيرية مستقلة، قادرة على الرقابة والمحاسبة والتعبئة، وعلى حماية الممثلين السياسيين من ضغوط المؤسسة الحاكمة وإغراءاتها.
تقف القائمة المشتركة أمام اختبار يتجاوز عدد المقاعد وإمكانية التأثير في تشكيل الحكومة. عليها أن تثبت أن الوحدة الانتخابية لا تعني التفريط بالاستقلال الوطني، وأن الدفاع عن الحقوق اليومية لا يستوجب القبول بشروط النظام أو التكيف مع منطقه. فالميزانيات لا تعوض خسارة البوصلة، والمقاعد لا تبرر التنازل عن الحقوق الوطنية، وإسقاط نتنياهو، مهما كانت أهميته، لا يعني إسقاط النظام المتوحش الذي أنتجه.
بين الثوابت الوطنية وإغراءات التأثير
أدخلت الشروط التعجيزية التي وضعها آيزنكوت لقبول القوائم العربية في حكومته هذه القوائم، ولا سيما قيادة القائمة العربية الموحدة، في حالة إرباك سياسي واضحة. وقد لوحظ أن معظم أقطابها وجدوا أنفسهم في موقع الدفاع بدل المبادرة إلى الهجوم، بما لا يتناسب مع ما يُفترض أ
