2026/11/06نبض الحدث على مدار الساعة18° حيفا
نبض الحدث — Nabd Alhadath
عربي ودولي

الأزمة الصامتة في إسرائيل

بعيدًا عن ضجيج الحرب المفتوحة والصراعات الحزبية الضيّقة، تكشف نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وما أعقبها من تجاذبات سياسية واجتماعية، عن أزمة تتجاوز في طبيعتها وحدّتها ما اعتادت إسرائيل مواجهته خلال العقود الماضية؛ فالمسألة لم تعد محصورة في مآلات التنافس

الأزمة الصامتة في إسرائيل
بعيدًا عن ضجيج الحرب المفتوحة والصراعات الحزبية الضيّقة، تكشف نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وما أعقبها من تجاذبات سياسية واجتماعية، عن أزمة تتجاوز في طبيعتها وحدّتها ما اعتادت إسرائيل مواجهته خلال العقود الماضية؛ فالمسألة لم تعد محصورة في مآلات التنافس على السلطة أو هوية الحكومة المقبلة، وإنما تتّصل بسؤال أكثر عمقًا: هل ما تعيشه إسرائيل أزمة سياسية واجتماعية عابرة، أم أننا أمام تصدّعات تطال بنية الدولة والمجتمع، وقدرتهما على إعادة إنتاج الشروط التي قام عليها المشروع الصهيوني؟
والسؤال هنا لا يتعلّق بتناقضات المشروع الصهيوني منذ تأسيس الدولة وحسب، وإنما يمتدّ إلى قضايا أكثر حساسية، تتقاطع فيها أسئلة هوية الدولة ومستقبلها مع العلاقة بالفلسطيني، والهجرة اليهودية، والاقتصاد، والتفاوت داخل المجتمع اليهودي، والعلاقة بين الدين والدولة، فضلًا عن علاقات إسرائيل بحلفائها الغربيين؛ وهي ملفات أخرجتها سياسات نتنياهو والحروب التي خاضها إلى الواجهة دفعة واحدة، بعدما عجز عن إدارة تناقضاتها وإعادة صياغة التفاهمات التي طالما أتاحت له البقاء على سدّة الحكم.
ولعلّ المفارقة الأولى أن إسرائيل التي تواصل تقديم قوّتها العسكرية بوصفها الضامن الأساسي لأمنها ومستقبلها، تواجه من داخلها أسئلة لا تستطيع الآلة العسكرية الإجابة عنها؛ فما كتبه اللواء احتياط يتسحاق بريك، عقب الانتخابات، في صحيفة "معاريف"، يمثّل أحد التعبيرات الأكثر حدّة عن هذا القلق؛ إذ وصف نتائج الانتخابات بأنها "شهادة الوفاة الرسمية لدولة إسرائيل كما نعرفها"، محذّرًا من انهيار متعدّد المستويات يطال الجيش والاقتصاد والمجتمع والمؤسّسات.
وبصرف النظر عن المبالغة المحتملة في هذا التوصيف، فإن دلالته تكمن في انتقال النقاش، حتى لدى شخصيات عسكرية سابقة، من مستقبل الحكومة إلى مستقبل الدولة نفسها، خصوصًا أن الأزمة الإسرائيلية الراهنة، بهذا المعنى، تتجاوز الصراع على من يحكم الدولة إلى من يملك تعريف هويتها ويحدّد شكلها، في إشارة إلى احتمال تآكل قدرتها على إدارة تناقضاتها، كما فعلت لعقود طويلة.
ولا تقف الأزمة عند حدود المؤسّسة العسكرية، إذ تكشف التحالفات السياسية نفسها عن تصدّعات يصعب فصلها عن الخلافات الأوسع حول وظيفة الدولة وطبيعة الالتزامات التي تجمع مكوّناتها؛ ففي مشهد موازٍ، كشف تسجيل مسرّب لمكالمة أجراها نتنياهو يوم الاقتراع مع ناشط حريدي مقرّب من حركة غور، عن جانب من أزمة الثقة داخل أحد أهمّ التحالفات التي استند إليها حكمه خلال السنوات الأخيرة؛ فبينما حاول نتنياهو حشد الناخبين بالتحذير من حكومة تعتمد على العرب، واجهه محدّثه بسنوات من الوعود غير المنفّذة، وتحديدًا في ملفّ التجنيد.
وتزداد هذه المفارقات وضوحًا باستعادة تصريحات الحاخام دوف لاندو، أحد أبرز المراجع الدينية للحريديم الأشكناز، الذي ذهب إلى حدّ القول: "إن الحياة تحت حكم العرب ربما كانت أفضل"، محمّلًا الحركة الصهيونية مسؤولية جلب الكوارث لليهود، وإثارة العداء بينهم وبين العرب؛ وهي تصريحات تعيد فتح خلاف تاريخي داخل المجتمع اليهودي حول الصهيونية والدولة، وتكشف أن الانقسام بين العلمانيين والمتديّنين يتجاوز أنماط الحياة والامتيازات الاجتماعية إلى الأساس الفكري الذي قامت عليه الدولة الإسرائيلية.
ومن هنا، يصعب النظر إلى الانقسام الديني بوصفه مسألة منفصلة عن التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية القائمة داخل المجتمع الإسرائيلي؛ فالفوارق الإثنية والطبقية، والخلاف على التجنيد والعمل وتوزيع الموارد العامة، تتفاعل مع التحوّلات الديموغرافية والهجرة، لتكشف عن أزمة تتّصل بتوزيع الأعباء وتحديد المستفيدين من موارد الدولة، فضلًا عن طبيعة العقد الاجتماعي الذي يجمع مكوّناتها.
وفي هذا السياق، تبرز هجرة شرائح من المجتمع، خصوصًا من الفئات العلمانية والمتعلّمة، بوصفها أحد المؤشّرات التي تستحقّ التوقّف عندها؛ وهو ما أشار إليه إيلان بابيه، أحد أبرز المؤرّخين الجدد في إسرائيل، في حوار متلفز، حين قدّر عدد المغادرين بلا عودة بأكثر من 320 ألف يهودي علماني؛ وبصرف النظر عن مدى الدقّة الإحصائية لهذا التقدير، فإن ما يثيره من أسئلة يتّصل بالثقة بالمستقبل لدى شرائح أسهمت، وما زالت تسهم، في إنتاج القوّة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية لإسرائيل. فالهجرة هنا تُقرأ من زاوية ما قد تعنيه من انتقال للخبرات ورأس المال البشري، والأثر المحتمل لها في قدرة الدولة على المحافظة على عناصر تفوّقها.
ومن المجتمع إلى الاقتصاد، تتكشّف مفارقة أخرى؛ فالدولة التي بنت جانبًا كبيرًا من قوّتها الاقتصادية على الاندماج في الأسواق الغربية واستقطاب الاستثمارات والتكنولوجيا ورؤوس الأموال، بات رئيس حكومتها يتحدّث علنًا عن الاستعداد لعقوبات اقتصادية محتملة، وعن إمكان استخدام العملات المشفّرة وتقنيات "البلوك تشين" للالتفاف عليها، وهو ما أثار اعتراض بنك إسرائيل، إلى جانب تحذير وقّعه 109 من الاقتصاديين ورجال الأعمال والمسؤولين السابقين، رأوا فيه تهديدًا للنموذج الاقتصادي الإسرائيلي وعلاقاته الخارجية.
واللافت في هذا الشأن أن النقاش تجاوز كلفة الحرب والميزانيات المتضخّمة مع توسّع الصراع والاستيطان، إلى مستقبل ارتباط الاقتصاد الإسرائيلي بالنظام المالي العالمي؛ فالتكنولوجيا، بوصفها أحد مصادر التفوّق الإسرائيلي، لا تستطيع وحدها تعويض خسارة الأسواق أو الثقة المصرفية والاستثمارية، خصوصًا إذا جاءت العقوبات المحتملة من الشركاء الغربيين أنفسهم؛ فمجرّد انتقال هذا النقاش إلى المستوى الاقتصادي الرسمي يكشف تحوّلًا في طبيعة المخاوف الإسرائيلية بشأن المحافظة على الامتيازات السياسية والاقتصادية التي تمتّعت بها طويلًا، في ظلّ اتّساع الفجوة بين ممارسات حكومتها ومواقف قطاعات متنامية من الرأي العام الغربي، بات بعضها يتجاوز انتقاد هذه السياسات إلى مساءلة طبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي تقوم عليه الدولة الإسرائيلية نفسها.
ولعلّ نتائج الانتخابات الأخيرة تكشف وجهًا آخر لأزمة عدم اليقين السياسي في إسرائيل؛ فمع حصول القوائم العربية على 19 مقعدًا، وما يمنحها ذلك من قدرة حسابية على التأثير في تشكيل أكثرية برلمانية، يستمرّ الجدل حول شرعية الاعتماد عليها سياسيًّا، لتبرز المفارقة بين قواعد التمثيل الانتخابي والاعتراف السياسي المتكافئ، في ظلّ تعريف الدولة لهويّتها، خصوصًا مع الشروط التي تضعها بعض قوى المعارضة أمام العرب بشأن الاعتراف بيهودية الدولة والمواقف السياسية والأمنية؛ وكأنّ الصوت العربي مطلوب حين يخدم الحساب البرلماني، ومرفوض حين يطالب بحقّه في التأثير السياسي المتكافئ.
ومع ذلك، فإن اختزال هذه التناقضات في شخص نتنياهو قد يحجب جانبًا أساسيًّا من جذورها التاريخية؛ فالصراع بين الدين والدولة، والتمييز بين الجماعات اليهودية، والتوتّر بين الهوية اليهودية والمواطنة المتساوية، جميعها مسائل سبقت حكوماته؛ غير أن سياساته والحروب التي خاضها أو وسّع نطاقها أسهمت في تعميق بعضها، وفي نقلها من مستوى التناقضات القابلة للإدارة إلى أسئلة مفتوحة على مستقبل النظام السياسي والاجتماعي.
هكذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدّم على ضجيج الانتخابات والحروب هو: هل تستطيع إسرائيل إعادة إنتاج التوافقات التي ضمنت استقرارها، أم أن الشروط التي قامت عليها تلك التوافقات أصبحت هي نفسها موضع الصراع؟ فلعلّ غياب القراءة المترابطة لأسباب هذه الأزمات ودلالاتها، فيما تستحوذ نتائج الحروب والانتخابات على معظم السجال، يحجب المسافة المتّسعة بين قدرة إسرائيل على ممارسة القوّة، وقدرتها على إنتاج الشروط التي تضمن استمرارها؛ وهنا تحديدًا تكمن الأزمة الصامتة، التي لا تعني بالضرورة اقتراب الانهيار، لكنها تضع مستقبل الدولة والمشروع الذي قامت عليه أمام أسئلة أكثر تعقيدًا، وتُبقي مآلاتها مفتوحة على أكثر من سيناريو.
تابع قناتنا على واتساب