2026/11/06نبض الحدث على مدار الساعة19° حيفا
نبض الحدث — Nabd Alhadath
عربي ودولي

أفكار أولى في الانتخابات النصفيّة الأميركيّة

بين تعظيم نتائج الانتخابات النصفيّة في أميركا وبين التقليل من أهميّتها دلالات لا يُمكن حصرها في حساب أيّ الولايات غيّرت هواها وعدد المقاعد التي فاز بها كلّ من الحزبين، الديمقراطي والجمهوريّ. الفارق بين الحزبين بلغ نحو 13 بالمئة لصالح الديمقراطيين الذين حقّقوا

أفكار أولى في الانتخابات النصفيّة الأميركيّة
بين تعظيم نتائج الانتخابات النصفيّة في أميركا وبين التقليل من أهميّتها دلالات لا يُمكن حصرها في حساب أيّ الولايات غيّرت هواها وعدد المقاعد التي فاز بها كلّ من الحزبين، الديمقراطي والجمهوريّ. الفارق بين الحزبين بلغ نحو 13 بالمئة لصالح الديمقراطيين الذين حقّقوا السيطرة على مجلس الشيوخ والكونغرس على السواء. ربّما يكون أهمّ ما في هذه الجولة هو السجال بين خطابين متناقضين في محاورهما إلى حدّ كبير. فبينما أنشأ الجمهوريون خطابهم على عنصريّة بغيضة تجاه الأقليّات والمسلمين بوجه خاصّ، كون عدد من المرشّحين والمرشّحات ينحدرون من أصول إسلاميّة، أقام الديمقراطيون خطابهم على مبادئ المساواة بين المواطنين والبشر والجماعات وحقوق الإنسان والمواطنة والتزامات الدولة تجاه مواطنيها. ليس هذا فحسب، فقد أبدى الديمقراطيون مواقف حازمة ضدّ الحربين على فلسطين وإيران، وضدّ تواطؤ الجمهوريين مع التوحّش والإبادة.
في المستوى الأوّل، يُمكننا أن نُضيف نتائج الانتخابات في أميركا إلى سلسلة من نتائج الانتخابات في مواقع كثيرة من العالم انتهت بفوز معارضي الحروب ومناهضي العنصرية وخطاب الكراهية وسياسة الهويّات في أقبح أوجهها. من بريطانيا إلى البرازيل مرورًا ببرلين وبلغراد والمجر من قبل. من هنا اقتراحنا أن نرى النتائج كأنها حلقة أخرى في انتصارات المعارضة العالميّة للتوحّش وإفراغ الدولة من مضمونها عبر سيرورات العولمة. وكون الأمر يحصل في عقر دار أميركا بوصفها مؤسّسة النيوليبرالية في صيغتها المتوحّشة وخطاب الكراهية والحروب والعنصريّة، فإنه يكتسب أهميّة خاصّة. يراها البعض قُدرة الجمهوريّة الأميركيّة على إصلاح نظامها وعلى مَنَعة هذا النظام أمام ظاهرة الترامبيّة الشعبويّة الكريهة.
سنجد في قائمة القضايا التي صوّت الأميركيون بسببها للديمقراطيّين سلسلة طويلة من المسائل، ومنها الحرب الخاسرة في إيران وسياسات الهجرة، وفي رأسها إقامة المعتقلات للمهاجرين، والعفو الجماعي عن المتورطين في مهاجمة مقرّ الكونغرس في العام 2021، والفساد وإثراء المقرّبين والحرب على مكتب الشرطة الفيدرالية وعلى الدوائر الحكوميّة والمؤسسات وزيادة العجز في الميزانيّة مقابل الإغداق على أوليغارشيا صناعات التكنولوجيا الفائقة والحملات العنصريّة القبيحة ضدّ الأقليّات والمسلمين والفقر والفاقة وسوء الخدمات وغياب الدولة في حالات الأزمات والكوارث. وهي قضايا تُجمل حقول الحياة كافة تقريبًا. وهي في العمق تصويت لأجل إصلاح الدولة وليس الحكم فقط. صحيح أن السياسة في أميركا تقوم على نظام الحزبين، إلّا أن الخطاب والسجالات هناك تطال كل نواحي الحياة. للقول إن نظام الحزبين لا يجسّد بتاتًا، لا في هذه الانتخابات ولا في غيرها، عمق النقاشات في المجتمعات الأميركيّة ولا الفروقات بين السكان والولايات والطبقات هناك ولا المفاهيم السياسيّة في ضوء أزمة الديمقراطيّة التمثيليّة. ربّما تكون مؤسّسات المجتمع المدني أكثر تجسيدًا وترجمة للشروخ العميقة في أميركا، وإن كانت ناشطة وفاعلة في محيط الحزبين كلوبيّات تأثير وتغيير سياسات. أيّ أن النقاش فيها أعمق بكثير ممّا هو بين ديمقراطيين وجمهوريين وأوسع ممّا تتّسع له نشرات الأخبار وصفحات الصحف. أميركا في الواقع مغايرة عمّا هي في الإعلام أو في مراسم البيت الأبيض وتغريدات الرئيس الشعبويّ.
يقودنا تقديرنا آنف الذكر إلى الحديث عن فرضيّة "النموذج الأميركي" الذي ظلّ منذ الحرب العالمية الأولى ولسنين خلت "حلم" كل مهاجر أو نموذجًا لكل دولة، خاصّة وأنها إمبراطورية وازنة خلفت في سؤددها الإمبراطوريّة الأوروبية ممثّلة ببريطانيا وفرنسا. أمّا صعود الصين فقد ظلّل هذا النموذج وكشف نقاط ضعفه بالتفوّق عليه في كثير من نواحي أداء الدولة وثرائها ونجاعتها وحجم اقتصادها وإنجازاتها. صحيح أن هناك مَن لا يزال يحجّ إلى البيت الأبيض أو إلى الكونغرس طلبًا للتأييد أو لتمرير قضيّته، لكنني أرى بوضوح أفول النموذج الأميركي في هذه المستويات، أيضًا. والجولات الانتخابيّة هناك وتأرجح النتائج بين "جمهوري أحمر" و"ديمقراطي أزرق" تكشف تضعضع صورة هذا النموذج في واقع التجربة الأميركيّة ذاتها. ومن الطبيعيّ أن يصل هذا الأفول إلى الأطراف متأخّرًا. فلا يزال الشرق الأوسط "أميركي" الهوى، وكذلك بعض الأقطار في أميركا اللاتينيّة. ربّما بسبب التدخّل المباشر للمخابرات الأميركيّة وليس لاقتناع أو نجاح تسجّله هذه الأقطار من اتّباع خُطا النموذج أو السير في ركبه.
وفي الإطار نفسه، يُمكننا أن نرى الأثر الذي يُمكن أن يكون لنتائج هذه الانتخابات - وهو ما يحصل دائمًا - على السياسة في إسرائيل. وهي ليست علاقة تأثّر فقط، بل هي بالأساس علاقة تقاطعات وتطابق بين السياسة هنا وهناك. وهي علاقة مفاهيم وخطاب. فلننتبه إلى علاقة التطابق بين خطاب اليمين الأميركي وبين خطاب اليمين الإسرائيلي. هنا أيضًا بدا هذا الخطاب في ذروته المتوحّشة مقرونًا بحروب ممتدّة لا تنتهي واعتقاد عنصريّ بالتفوّق. هنا، كانت نتائج الانتخابات مماثلة بعض الشيء لما حصل في أميركا، ضربة في جناح هذه المنظومة وتنحيتها عن الحكم ممثّلة بائتلاف غُلاة اليمين الفاشيّ. من الواضح أن ضربة يُوجّهها الناخب لليمين العالمي في عقر دار هذا اليمين تترك أثرها على الناخب في مواقع أخرى من العالم في مواقفه من هذا اليمين وأدائه في الدولة والحياة العامة.
أمّا بالنسبة لنا، نحن الفلسطينيين، فإن في نتائج الانتخابات الأميركيّة ما يعنينا بشكل مباشر غير التفاعل مع الوضع هنا. فقد رأينا أن المرشّحات والمرشّحين الذين لم يهربوا من هويّاتهم وواجهوا العنصرية كأنداد واثقين من أنفسهم فازوا وربحوا الجولة. أرادوا دمغهم كمسلمين فكانوا مسلمين، أرادوا إسقاطهم كمناصرين لفلسطين فكانوا خير مناصرين، أرادوا تحقيرهم كأصحاب بشرة غامقة فحوّلوا بشرتهم الغامقة إلى درع، أرادوا إذلال ثقافتهم فحوّلوا الثقافة إلى مورد سياسيّ - هكذا هي المعارك ضدّ اليمين والعنصرية - معركة دون تأتأة أو إحناء القامة أو تذلّل أو استذناب.
لا هنا ولا هناك يُمكننا أن نحتفل ونُقيم أكاليل النصر، لا هنا ولا هناك يُمكننا أن نقول "هُزمت العنصريّة" أو "إلى مزبلة التاريخ أيّها الأوغاد"، لأن خلف كل وغد طابورًا من الأوغاد ينتظر دوره كي يكون. ولأنّ المنظومات السياسيّة لا تبرأ من الشرّ من تلقائها، بل هي بحاجة إلى سياسات مضادة ولسنوات كي تُشفى أو كي تُستبدل وكلاء الشرّ في المؤسسات ومفاصل الحكم. مع هذا، سنعتبرها جولة طيّبة وموفّقة في صدّ الفاشيّة هناك وهنا وفي أماكن أخرى.
تابع قناتنا على واتساب