2026/10/13نبض الحدث على مدار الساعة25° حيفا
نبض الحدث — Nabd Alhadath
عربي ودولي

واشنطن أمام معضلة المنطقة العربية: الانسحاب الكامل أم إعادة صياغة إستراتيجية الحضور؟

بعد أن تحول الهجوم العسكري الكبير الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يوم 28 شباط/ فبراير الماضي إلى حرب دخلت شهرها الثامن، ووصفها المحلل السياسي، مايكل فوكس، في مقال بمجلة "فورين أفيرز" في آب/ أغسطس الماضي بأنها "كارثة هائلة"، تجدد الحديث في دوائر صن

واشنطن أمام معضلة المنطقة العربية: الانسحاب الكامل أم إعادة صياغة إستراتيجية الحضور؟
بعد أن تحول الهجوم العسكري الكبير الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يوم 28 شباط/ فبراير الماضي إلى حرب دخلت شهرها الثامن، ووصفها المحلل السياسي، مايكل فوكس، في مقال بمجلة "فورين أفيرز" في آب/ أغسطس الماضي بأنها "كارثة هائلة"، تجدد الحديث في دوائر صناعة القرار والفكر الأميركية من جديد عن مصير الوجود العسكري والجيوسياسي الأميركي في المنطقة العربية، ودعا فوكس إلى سحب كافة قواعد الولايات المتحدة وقواتها من المنطقة، و"إنهاء دورها كضامن للنظام الإقليمي"، مما يتيح لها التفرغ للتركيز على أهداف ذات أولوية قصوى في آسيا وأوروبا.

وفي تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" قال فورين جوردن، الذي عمل مستشارا للأمن القومي لنائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس، إن دعوة فوكس وأمثاله ستلقى صدى واسعا لدى العديد من الأميركيين الذين شهدوا إنفاق بلادهم تريليونات الدولارات والتضحية بآلاف الأرواح في المنطقة، دون تحقيق نتائج ملموسة تذكر.
ويضيف جوردن في تحليله أن الرأي القائل إن الولايات المتحدة قد بالغت في التزاماتها تجاه "الشرق الأوسط" يبدو صائبا، لكن الحل المقترح المتمثل في "التخلي عن الأمر"، أي ترك المنطقة لمصيرها فعليا، ليس صائبا. فالحرب مع إيران لم تكن دليلا على عدم وجود مصالح للولايات المتحدة في المنطقة، بل أثبتت، وبطريقة مؤلمة للغاية، أن هذه المصالح قائمة بالفعل، وأن الأسلوب الذي انتهجته واشنطن لحمايتها على مدى جيل كامل لم يعد قابلا للاستمرار. لذا فالحل ليس في التخلي عن المنطقة، بل في إعادة النظر في النهج الذي بات باهظ التكلفة، والذي يؤدي إلى نتائج عكسية.
في المقابل، يرى جوردن أنه ينبغي للولايات المتحدة الاكتفاء بالدفاع عن مجموعة محددة وأكثر تركيزا من المصالح الجوهرية، مع تقليص الحضور العسكري والاعتماد بقدر أكبر على الدبلوماسية، وتعدد الخيارات والشراكات؛ فكلا خياري التمسك بالنهج الحالي أو الانسحاب التام لا يمثل مخرجا من الحلقة المفرغة التي يدور فيها كل الرؤساء الأميركيين في الآونة الأخيرة، لكن الخيار الأصوب يتمثل في تبني مسار وسط يتسم بمزيد من الواقعية والانضباط.
وفي الوقت نفسه فإن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، الذي طالما اعتبر ركيزة أساسية لردع الحروب وضمان تدفق الطاقة، قد تحول في جوانب كثيرة إلى عبء ومصدر خطر سواء للمصالح الأميركية أو حتى لدول المنطقة. إذ إن شبكة القواعد الضخمة التي أقامتها واشنطن عقب حرب الخليج عام 1991 أصبحت الآن عرضة لهجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الإيرانية، مما يوفر لطهران أهدافا وأوراق ضغط على واشنطن بدلا من ردعها. كما أن وجود القوات الأميركية في مواقع متقدمة يغري القادة الأميركيين باللجوء إلى الحلول العسكرية، وقد تحولت هذه القواعد المتقدمة، بحسب جوردن، إلى وثيقة تأمين ضمنية تشجع إسرائيل على شن الحروب، وتجرّ الولايات المتحدة إلى صراعات لم تخترها ولا تملك السيطرة عليها.






على صلة



مجتبى خامنئي: سيأتي يوم تغادر الولايات المتحدة بحر العرب









ولحسن الحظ تتجه السياسة الداخلية الأميركية نحو ضبط النفس تجاه المنطقة العربية، إن لم يكن الانسحاب الكامل. إذ تعرب أغلبية كبيرة من الأميركيين عن اعتقادها بأن الحرب مع إيران لا تستحق التضحية، كما يتزايد تشكيك الناخبين في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ولا سيما الشباب منهم، في جدوى الشراكة الأمنية الأميركية مع إسرائيل وما يعرف بـ "الحروب الأبدية"، التي لا يبدو أنها تجعل البلاد أكثر أمانا أو تعالج القضايا التي تهمهم في المقام الأول.
غير أن الإقرار بفشل السياسة الأميركية لا يعني بالضرورة تلاشي المصالح الأميركية، وإذا كان بعض الأسباب الرئيسية للانخراط الأميركي السابق في المنطقة مثل التنافس مع الاتحاد السوفيتي، والاعتماد الأميركي الكبير على النفط المستورد، وتهديدات تنظيمي "القاعدة" و"داعش" في ذروة قوتهما، وحاجة إسرائيل إلى الحماية، قد تلاشت بالفعل، إلا أن المصالح المتبقية تظل حقيقية وواقعية، وهو ما أظهرته بوضوح تداعيات الصراع مع إيران.
فقد أظهرت أزمة الصراع مع إيران أن أي انقطاع في الإمدادات، أيا كان موقعه، يؤدي إلى ارتفاع الأسعار التي يدفعها الأميركيون في محطات الوقود، كما أن تباطؤ النمو الاقتصادي في آسيا وأوروبا يلقي بظلاله السلبية على الاقتصاد الأميركي أيضا، وبالتالي لا يمكن لأميركا الاستغناء عن حضورها في منطقة الخليج، التي تنتج نحو خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال.






على صلة



طهران تراهن على كلفة الحرب لإضعاف ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي









كما تعد قضية منع الانتشار النووي مصلحة دائمة أخرى، ويرى بعض الخبراء أنه يمكن ردع إيران حتى لو امتلكت سلاحا نوويا، بل ويرون أن انتشار الأسلحة النووية قد يحقق الاستقرار في المنطقة، كما حدث، على حد زعمهم، خلال الحرب الباردة. وفي المقابل، يعتقد آخرون أنه في حال زوال التهديد بالتدخل العسكري الأميركي أو تضاؤله، ستتخلى إيران ببساطة عن الخيار النووي، وبالتالي لا داعي للقلق كثيرا. ورغم احتمالية حدوث أي من السيناريوهين، فمن غير المرجح أن يراهن أي رئيس أميركي على ذلك، ولأسباب وجيهة؛ إذ ستدرك إيران في حال امتلاكها سلاحا نوويا أنها قادرة على مواصلة أو زيادة دعمها لوكلائها في المنطقة، وتدخلها في شؤون جيرانها، أو تصعيد صراعها مع إسرائيل، وهي واثقة من أن ترسانتها النووية ستردع أي محاولة للإطاحة بالنظام ردا على تلك الأفعال.
كما أن حصول إيران على القنبلة النووية قد يدفع جاراتها لتحذو حذوها؛ فقد صرح ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بأن السعودية "ستضطر هي الأخرى إلى امتلاك سلاح نووي" إذا ما حصلت عليه إيران، ومثل ذلك قال وزير الخارجية التركي في وقت سابق من هذا العام، بأن بلاده ستدرس اتخاذ الخطوة ذاتها.
إن المنطقة التي تضم قوى نووية متعددة تتنافس فيما بينها ستكون أكثر خطورة بكثير مما هي عليه اليوم، ورغم أن منطق فك الارتباط الأميركي بالمنطقة يشير إلى أن واشنطن قد تتعايش مع امتلاك إيران للقنبلة النووية، تماما كما تتعايش مع امتلاك باكستان وكوريا الشمالية لها، فإن معظم الأميركيين يفضلون على الأرجح ألا يضطروا إلى اختبار هذا السيناريو.
وبعيدا عن التهديدات والمخاطر، فإن للولايات المتحدة مصالح إيجابية في المنطقة؛ فدول مجلس التعاون الخليجي تمتلك صناديق ثروة سيادية تزيد قيمتها عن 5 تريليونات دولار، وتمتلك حصصا في أصول أميركية تصل قيمتها إلى تريليوني دولار، بما في ذلك سندات الخزانة التي تساهم في خفض تكاليف الاقتراض الأميركية.
وفي ظل ناتج محلي إجمالي مجمع يتجاوز تريليوني دولار، تنفق دول المجلس أيضا مئات المليارات من الدولارات على مراكز البيانات التي تُنشأ بالتعاون مع شركات أميركية، مما يرسخ ارتباطها بالمنظومة التكنولوجية الأميركية بدلا من نظيرتها الصينية.
حدود خيار الانسحاب
ويشير التاريخ إلى أن الانسحاب من المنطقة قد يؤدي إلى عواقب غير مقصودة، إذ عندما سحبت الولايات المتحدة قواتها من العراق عام 2011، لم تكن النتيجة تحقيق الاستقرار، بل صعود تنظيم "داعش" الذي استولى على مساحات شاسعة من الأراضي في العراق وسورية توازي في حجمها مساحة بريطانيا العظمى، وارتكب جرائم قتل بحق أميركيين وآخرين كثر، وخطط لشن هجمات في الخارج؛ مما أجبر واشنطن على العودة إلى المنطقة لتنفيذ حملة عسكرية جوية وبرية استمرت سنوات.
ولو أقدمت إدارة أميركية مستقبلية على تفكيك وجودها العسكري الأميركي في المنطقة، وإنهاء الشراكات الأمنية والاستخباراتية القائمة منذ أمد طويل، واستبعاد سيناريوهات المنطقة من خطط الطوارئ لدى البنتاغون؛ فإن ذلك لن يلغي بالضرورة الحاجة إلى التدخل الأميركي عند وقوع الأزمة المقبلة، لكنه سيحدّ من خيارات واشنطن المتاحة حين يحين ذلك الوقت.






على صلة



حرب إيران تكشف للصين حدود القوة الأميركية









وما بين الانسحاب الكامل من المنطقة أو الانخراط المفرط في مشاكلها، يقترح الباحث في "معهد بروكنغز للأبحاث"، فورين جوردن، ما سماه "الانخراط الذكي" الذي يقضي باستمرار اشتباكها مع مشاكل المنطقة العربية والتزامها بالأمن الإقليمي، مع إلغاء الشيك على بياض الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل، فثقة الحكومة الإسرائيلية في أن الولايات المتحدة سوف تدعمها مهما فعلت، بما في ذلك شن حرب ضد إيران، واغتيال الخصوم في العواصم الأجنبية، والتسبب في خسائر بشرية كبيرة والتسبب في ظروف كارثية في غزة، تهدّد بجرّ الولايات المتحدة إلى حروب لا تريدها.
لذلك يجب على الولايات المتحدة، بالحدّ الأدنى، تطبيق القوانين الأميركية الحالية التي تربط المساعدة العسكرية ومبيعات الأسلحة باحترام حقوق الإنسان، وتوصيل المساعدات الإنسانية. وعلى هذا الأساس، لا يزال بإمكان الولايات المتحدة بيع الأسلحة التي تحتاجها إسرائيل لردع العدوان والدفاع عن نفسها في حالة الهجوم، مع تجنب التواطؤ أو التورط في الصراعات الإسرائيلية التي تعارضها.
وثمة أسباب تدعو للاعتقاد بأن هذا النهج قد ينجح، فقد أظهرت الحرب مع إيران، بطريقة مؤلمة، حدود القوة العسكرية، وهشاشة النموذج الأميركي القديم للقواعد العسكرية، وتكلفة الاعتماد المفرط على مضيق هرمز، وعواقب الانحياز الأميركي غير المشروط لإسرائيل.
وأخيرا قد يبدو شعور الأميركيين بالإحباط إزاء نتائج السياسة الأميركية في المنطقة العربية، لا سيما وقد فشلت تلك السياسة في تحقيق أي من أهدافها المعلنة. ومع ذلك، فإن الانسحاب الكامل من المنطقة، رغم ما ينطوي عليه من إغراء، يعدّ مقامرة غير ضرورية؛ إذ لا ينبغي أن يكون الهدف الأميركي هو التخلي عن المنطقة، بل السعي لتحقيق المصالح الأميركية هناك بأسلوب أكثر ذكاء وواقعية.

اقرأ/ي أيضًا | حرب أميركا وإيران تكشف حاجة دول المنطقة إلى تعاون إقليمي أوسع
واشنطن أمام معضلة المنطقة العربية: الانسحاب الكامل أم إعادة صياغة إستراتيجية الحضور؟
واشنطن أمام معضلة المنطقة العربية: الانسحاب الكامل أم إعادة صياغة إستراتيجية الحضور؟
واشنطن أمام معضلة المنطقة العربية: الانسحاب الكامل أم إعادة صياغة إستراتيجية الحضور؟
تابع قناتنا على واتساب