حصلت السلطات الفيدرالية الأميركية على أوامر قضائية تسمح باستخدام أجهزة تحاكي أبراج الاتصالات الخلوية لتعقب منتج عمل مع الصحافي المستقل والمذيع السابق في شبكة "سي إن إن" دون ليمون، على خلفية تغطيته احتجاجًا ضد وكالة الهجرة والجمارك الأميركية في ولاية مينيسوتا، فيما كشفت وثائق قضائية عن محاولات لاستهداف هواتف صحافية ومرشح لمجلس شيوخ الولاية بالتقنية نفسها.
ووفقًا لتحقيق نشرته مجلة "وايرد"، الإثنين، أظهرت وثائق المحكمة أن السلطات حصلت على إذن لاستخدام أجهزة مراقبة تعرف باسم "ستينغراي"، قادرة على انتحال صفة أبراج الاتصالات الخلوية، بهدف تحديد موقع جيروم ريتشاردسون، البالغ من العمر 21 عامًا، والذي ساعد في إنتاج تغطية ليمون للاحتجاج.
ويُعد ريتشاردسون، الذي تخرج لاحقًا من جامعة "تمبل"، واحدًا من 39 شخصًا وُجهت إليهم اتهامات بالتآمر لانتهاك الحقوق المدنية للمصلين وعرقلة ممارسة الشعائر الدينية في كنيسة "سيتيز" بمدينة سانت بول في مينيسوتا، خلال احتجاج نُظم في 18 يناير/ كانون الثاني 2026.
وقال المشاركون في الاحتجاج إنهم استهدفوا الكنيسة لأن أحد رعاتها، ديفيد إيستروود، كان يشغل أيضًا منصب رئيس المكتب الميداني لوكالة الهجرة والجمارك في سانت بول.
وشملت قائمة المتهمين الصحافيين دون ليمون وجورجيا فورت، اللذين أكدا وجودهما في الكنيسة لتغطية الاحتجاج، وليس للمشاركة فيه.
وبحسب الوثائق التي اطلعت عليها "وايرد"، أصدر قضاة في ولايتين أوامر تجيز استخدام أجهزة محاكاة أبراج الاتصالات لاستهداف هاتف ريتشاردسون، بعد 12 يومًا من الاحتجاج. وصدر الأمر الأول في مينيسوتا يوم 30 يناير/ كانون الثاني، والثاني في بنسلفانيا في اليوم التالي.
وذكر محامو ريتشاردسون، في مذكرة قانونية طالبوا فيها باستبعاد الأدلة الناتجة عن التعقب، أن الهدف من استخدام هذه الأجهزة كان تحديد موقع موكلهم واعتقاله.
وكشف التحقيق أن المحققين قدموا أيضًا طلبات للحصول على أوامر تسمح باستخدام الأجهزة نفسها لتعقب هواتف الصحافية جورجيا فورت وجميل لاندي، الذي كان مرشحًا لمجلس شيوخ ولاية مينيسوتا آنذاك.
كما سعوا، بصورة منفصلة، إلى الحصول على أوامر تتيح تسجيل أرقام الهواتف التي يجري الاتصال بها من هاتف فورت ورقم آخر ربطته "وايرد" بالصحافي دون ليمون.
ولم تتمكن المجلة من التأكد مما إذا كان القضاة قد وافقوا على تلك الطلبات، أو ما إذا كانت السلطات استخدمت بالفعل أجهزة محاكاة أبراج الاتصالات لتحديد موقع ريتشاردسون.
وأشارت إلى أن محامي فورت ذكروا، في رسالة قضائية خلال يوليو/ تموز الماضي، أن المدعين أنفسهم لم يكونوا على علم بما إذا كانت طلبات المراقبة قد حصلت على الموافقة، أو أسفرت عن جمع أدلة.
وتعمل أجهزة "ستينغراي" عبر محاكاة أبراج الاتصالات الحقيقية، ما يدفع الهواتف المحمولة القريبة إلى الاتصال بها، ويسمح بتحديد مواقع الأجهزة المستهدفة.
ولا تقتصر قدرة هذه التقنية على الهاتف المطلوب تعقبه، إذ يمكنها أيضًا جمع بيانات تعريفية من هواتف أخرى موجودة في المنطقة نفسها، حتى عندما لا يكون أصحابها موضع شبهات جنائية.
وأثار هذا الجانب من عمل الأجهزة انتقادات من منظمات الدفاع عن الخصوصية والحريات المدنية، التي تعتبرها أدوات تسمح بمراقبة واسعة النطاق وجمع بيانات أشخاص غير مستهدفين بالتحقيقات.
وفي هذا السياق، اعتبر كوبر كوينتن، كبير خبراء التكنولوجيا في "مؤسسة الحدود الإلكترونية"، أن استخدام هذه التقنيات ضد العاملين في الصحافة بسبب تغطيات لا ترضي الرئيس يمثل اعتداءً على الحماية الدستورية لحرية التعبير والصحافة.
وكشف تحقيق "وايرد" كذلك أن الإفادات المقدمة لدعم طلبات المراقبة تضمنت ادعاءً بأن تسجيلات مصورة أظهرت ليمون وفورت وريتشاردسون وآخرين يرددون هتافات مع المحتجين.
لكن المدعين أقروا لاحقًا بأن ليمون وفورت لم يشاركا في الهتافات. ووفقًا لمحامي فورت، اعترفت الحكومة بوجود هذا الادعاء غير الصحيح في ما لا يقل عن 15 إفادة استُخدمت لطلب أوامر قضائية.
وأثار قرار تعقب ريتشاردسون تساؤلات إضافية بشأن ضرورة استخدام وسائل مراقبة متقدمة، خصوصًا أنه أعلن علنًا استعداده لتسليم نفسه للسلطات.
ففي 31 يناير/ كانون الثاني، نشر ريتشاردسون مقطع فيديو على منصة "يوتيوب" قال فيه إنه يتوقع تسليم نفسه للسلطات الفيدرالية خلال الأيام المقبلة، وهو اليوم نفسه الذي صدر فيه أمر المراقبة الثاني.
ولم يتضح ما إذا كان الأمر القضائي قد صدر قبل نشر الفيديو أم بعده. وبعد يومين، توجه ريتشاردسون طوعًا إلى محكمة فيدرالية بمدينة فيلادلفيا، حيث سلّم نفسه وأُفرج عنه بكفالة في اليوم ذاته.
وبحسب "وايرد"، واجهت محاولات السلطات اعتقال بعض المتهمين اعتراضات قضائية سابقة، بعدما رفض قاضٍ إصدار خمسة من أصل ثمانية أوامر اعتقال طُلبت في القضية.
وفي مذكرة قضائية، أشار رئيس المحكمة إلى أن اثنين من الأشخاص المطلوب اعتقالهم لم يكونا من المحتجين، بل صحافيًا ومنتجه، وأن الأدلة المقدمة لم تثبت تورطهما في أي سلوك إجرامي.
ومع ذلك، حصل الادعاء لاحقًا على لائحة اتهام من هيئة محلفين كبرى في 29 يناير/ كانون الثاني.
وامتدت إجراءات التحقيق، بحسب المجلة، إلى طلب سجلات اتصالات وحسابات على "يوتيوب" تخص صحافيين، باستخدام صلاحيات جمركية لا تتطلب موافقة قضائية مسبقة.
كما طلب المحققون سجلات تحدد الأشخاص الذين اشتروا نوعًا معينًا من القبعات من متاجر "آر إي آي" في منطقة مينيابوليس وسانت بول، خلال فترة تزيد على عامين. وحدد محامو الدفاع 92 طلبًا إداريًا للحصول على بيانات، وطعنوا في صلاحية الحكومة لإصدارها.
وفي ردها على استفسارات "وايرد"، اكتفت وزارة العدل الأميركية بالإشارة إلى أن موقفها يُعبّر عنه من خلال الوثائق المقدمة إلى المحاكم.
أما وزارة الأمن الداخلي، فامتنعت عن مناقشة التحقيقات الجارية أو أساليب العمل المستخدمة فيها، وأحالت الأسئلة إلى مكتب المدعي العام الفيدرالي في مينيسوتا، الذي لم يقدم ردًا.
من جهتها، وصفت "مؤسسة حرية الصحافة" هذه التطورات بأنها أحدث تجاوز ترتكبه إدارة الرئيس دونالد ترامب في مساعيها لمراقبة وملاحقة الصحافيين الذين غطوا احتجاج الكنيسة في مينيسوتا.
واعتبرت المؤسسة أن الإجراءات تنتهك الدستور الأميركي، وتمثل إساءة لاستخدام أموال دافعي الضرائب بدوافع انتقامية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استخدام أدوات المراقبة المتقدمة ضد الصحافيين والأشخاص الذين يغطون الاحتجاجات.
أبراج خلوية وهمية لتعقب الصحافيين: وثائق تكشف أساليب مراقبة السلطات الأميركية
حصلت السلطات الفيدرالية الأميركية على أوامر قضائية تسمح باستخدام أجهزة تحاكي أبراج الاتصالات الخلوية لتعقب منتج عمل مع الصحافي المستقل والمذيع السابق في شبكة "سي إن إن" دون ليمون، على خلفية تغطيته احتجاجًا ضد وكالة الهجرة والجمارك الأميركية في ولاية مينيسوتا،
