تستعد المؤسسات الإعلامية في المملكة المتحدة لتغييرات جوهرية في إدارة الاشتراكات الرقمية، مع اقتراب تطبيق قواعد جديدة تمنح المستهلكين سيطرة أكبر على اشتراكاتهم، وتفرض على الشركات مزيدًا من الشفافية في ما يتعلق بالتجديد والإلغاء.
وبحسب تقرير نشرته منصة "إف تي ستراتيجيز" التابعة لصحيفة "فايننشال تايمز"، وأعدته أليا إتزكوفيتز استنادًا إلى حوار مع مديرة تجربة العملاء ودورة حياة المشترك في المجموعة ماري غودارد، ستؤثر القواعد الجديدة بصورة مباشرة في طريقة إدارة الناشرين لرحلة الاشتراك والاحتفاظ بالعملاء.
وتندرج التغييرات ضمن قانون الأسواق الرقمية والمنافسة والمستهلكين الصادر عام 2024، الذي يتضمن أحكامًا جديدة بشأن عقود الاشتراك، بينها تقديم معلومات واضحة قبل الاشتراك، وإرسال تذكيرات بشأن التجديد، وتسهيل إنهاء العقود. وينص القانون كذلك على أن تكون إجراءات الإلغاء مباشرة ومن دون خطوات غير ضرورية.
ويشير تقرير "إف تي ستراتيجيز" إلى أن هذه القواعد تنهي عمليًا نهجًا تسويقيًا شائعًا يقوم على عدم تذكير المشترك غير المتفاعل باشتراكه، خشية دفعه إلى التفكير في الإلغاء.
وبموجب النظام الجديد، سيكون على الشركات تذكير العملاء باشتراكاتهم والمدفوعات المرتبطة بها، بما في ذلك قبل انتقال بعض التجارب المجانية إلى اشتراكات مدفوعة، وإتاحة الوقت الكافي لهم لاتخاذ قرار بشأن الاستمرار أو الإلغاء.
وترى غودارد أن هذه التغييرات تعيد التأكيد على أن الاحتفاظ بالمشتركين لا ينبغي أن يعتمد على عدم انتباههم إلى استمرار الاشتراك، بل على قدرتهم على رؤية قيمة كافية في الخدمة تدفعهم إلى البقاء.
وقالت إن فريقها يعمل منذ أكثر من 18 شهرًا على الاستعداد للقواعد الجديدة، بالتعاون مع الفريق القانوني في "فايننشال تايمز" لفهم متطلباتها وانعكاساتها التشغيلية والتجارية.
ويحدد التقرير خمسة مجالات رئيسية ستتأثر بالقواعد. أولها زيادة الوضوح لحظة الشراء، بحيث تُعرض المعلومات الأساسية المتعلقة بالعقد بصورة مباشرة، بدلًا من أن تبقى ضمن الشروط والأحكام المطولة.
أما المجال الثاني فيتعلق بالاشتراكات التجريبية، إذ ينبغي تذكير العميل قبل تحول التجربة المجانية إلى اشتراك مدفوع، بما يمنحه فرصة للإلغاء قبل خصم المبلغ.
ويتصل المجال الثالث بزيادة عدد رسائل التذكير خلال فترة الاشتراك، مع اختلاف توقيتها وعددها بحسب طبيعة الاشتراك ومدته.
ويتمثل التغيير الرابع في تسهيل الإلغاء عبر الإنترنت لمن اشترك بهذه الطريقة، على أن تكون العملية مباشرة وخالية من الخطوات غير الضرورية.
أما الخامس، فيتعلق بفترات التراجع وحقوق الاسترداد الإضافية التي قد تنطبق في حالات معينة، بينها بعض حالات تجديد الاشتراك.
وترى غودارد أن قواعد الاسترداد قد تخلق تحديات أمام الشركات التي تقدم محتوى رقميًا يمكن استهلاكه سريعًا، مشيرة إلى مثال خدمات البث التي قد يشاهد فيها المستخدم عددًا من الأعمال قبل أن يقرر إلغاء الاشتراك.
وينبه التقرير إلى أن أثر القواعد لن يقتصر على السوق البريطانية، خصوصًا بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية والعلامات التجارية التي تعمل في عدة دول، إذ قد يدفعها الامتثال للنظام البريطاني إلى مراجعة رحلة الاشتراك في أسواق أخرى أيضًا.
ويطرح ذلك سؤالًا أمام الناشرين العالميين بشأن مدى توحيد أنظمة الاشتراك بين الأسواق المختلفة، ولا سيما عندما تُباع الاشتراكات عبر منصات خارجية مثل متجر تطبيقات "آبل" ومتجر "غوغل بلاي".
ويشير التقرير إلى أن المخالفات قد تترتب عليها غرامات كبيرة تصل إلى 300 ألف جنيه إسترليني، أو 10% من حجم الأعمال العالمي السنوي إذا كان هذا المبلغ أعلى.
أما التأثير الفعلي في معدلات الإلغاء، فتقول غودارد إنه لا يزال صعب التنبؤ. وتتوقع أن ترتفع معدلات الإلغاء، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن عدد المشتركين الذين سيتركون الخدمة سيكون أكبر مما كان سيحدث في نهاية المطاف.
وترى أن الفارق قد يكون في توقيت الإلغاء، إذ يمكن أن يغادر بعض المشتركين في مرحلة أبكر من دورة اشتراكهم، بما ينعكس على صافي الإيرادات.
كما تتوقع أن يتلقى المستهلكون عددًا كبيرًا من رسائل التذكير مع بدء تطبيق القواعد، ما قد يؤدي إلى موجة أولية من الإلغاءات قبل أن تستقر المعدلات لاحقًا.
ويشير التقرير إلى أن الاشتراكات الورقية قد تكون أقل عرضة لهذا التأثير، لأن المشترك الذي يتلقى الصحيفة يوميًا يحصل على تذكير ملموس ومستمر بقيمة اشتراكه، بينما يتركز القلق بصورة أكبر على المشتركين الرقميين الأقل تفاعلًا.
وفي المقابل، ترى غودارد أن تسهيل الإلغاء قد يحمل فوائد على المدى الطويل، مستندة إلى تجربة "فايننشال تايمز" السابقة في إتاحة الإلغاء الإلكتروني.
وبحسب التقرير، سجلت الصحيفة بعد اعتماد الإلغاء عبر الإنترنت ارتفاعًا في معدل الاحتفاظ بالعملاء الذين كانوا بصدد إلغاء اشتراكاتهم إلى 6%، مقارنة بـ3% سابقًا.
وتركز "فايننشال تايمز" في استعداداتها على الامتثال للقواعد الجديدة بالتوازي مع تقليل الإلغاءات، مستثمرة في علوم البيانات لمحاولة تحديد العرض الأنسب لاستعادة كل مشترك يرغب في المغادرة.
وقالت غودارد إن النتائج الأولية لهذا النهج رفعت معدل الاحتفاظ بالعملاء والقيمة التي يحققها المشترك طوال فترة علاقته بالصحيفة.
وترى أن القواعد الجديدة قد تمثل فرصة للناشرين لتعزيز الثقة مع القراء من خلال منحهم مزيدًا من الشفافية والسيطرة على اشتراكاتهم.
وتوصي غودارد الناشرين بالتركيز على ثلاثة أسئلة أساسية قبل بدء التطبيق: لماذا يلغي العملاء اشتراكاتهم، وكيف يمكن إعادة إشراك المشتركين الأقل تفاعلًا، ومن هي الأقسام التي ينبغي أن تشارك في الاستعداد.
وتشدد على أن رسائل التذكير لا تمثل في ذاتها السبب الحقيقي للإلغاء، بل قد تكون مجرد محفز يدفع المشترك إلى اتخاذ قرار كان يفكر فيه أصلًا، ما يجعل فهم أسباب المغادرة والفئات الأكثر عرضة لها أمرًا أساسيًا.
كما ترى أن رفع مستوى تفاعل المشتركين قبل وصول رسائل التجديد يمثل عنصرًا أساسيًا في الاحتفاظ بهم، فيما يؤكد التقرير أن الاستعداد لا ينبغي أن يقتصر على فرق التسويق، بل يجب أن يشمل الفرق القانونية والتجارية والتقنية والمالية وفرق البيانات وخدمة العملاء.
ويخلص تقرير "إف تي ستراتيجيز" إلى أن التعامل مع القواعد الجديدة يتطلب من الناشرين تقييمًا مشتركًا للجوانب القانونية والتجارية والتشغيلية، بالتوازي مع تحسين قيمة الاشتراك وتعزيز العلاقة مع القراء.
قواعد بريطانية جديدة تُلزم الناشرين بتسهيل إلغاء الاشتراكات الرقمية
تستعد المؤسسات الإعلامية في المملكة المتحدة لتغييرات جوهرية في إدارة الاشتراكات الرقمية، مع اقتراب تطبيق قواعد جديدة تمنح المستهلكين سيطرة أكبر على اشتراكاتهم، وتفرض على الشركات مزيدًا من الشفافية في ما يتعلق بالتجديد والإلغاء. وبحسب تقرير نشرته منصة "إف تي ست
