يشهد قطاع الأمن السيبراني تحولًا متسارعًا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الثغرات البرمجية، إذ باتت النماذج المتقدمة تكشف أعدادًا كبيرة من المشكلات الأمنية التي ظلت مخفية لسنوات، ما يضع الشركات وخبراء الحماية أمام تحديات متزايدة لمواكبة عمليات الإصلاح.
وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، أسهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في اكتشاف آلاف الثغرات خلال الأشهر الماضية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من المخاطر التي قد تشكلها هذه القدرات على أمن المؤسسات والبنوك والأفراد.
ومنذ مايو/ أيار الماضي، عندما بدأت شركة "أوبن إيه آي" استخدام نماذجها لفحص البرمجيات مفتوحة المصدر، ساعدت هذه التقنيات في اكتشاف أكثر من 1300 ثغرة أمنية، ما دفع الشركة إلى تخصيص فرق عمل وقدرات حوسبية كبيرة لمتابعة المشكلات المكتشفة والمساعدة في معالجتها.
ومن أبرز الاكتشافات التي أسهمت فيها نماذج الشركة، ثغرتان في لغة البرمجة "بي إتش بي"، ظلتا مخفيتين لعقود، وكان من الممكن أن تؤثرا في مواقع إلكترونية عديدة حول العالم، بما فيها مواقع حكومية.
ووصف مسؤول جهود الاستعداد السيبراني والسلامة في "أوبن إيه آي"، فؤاد متين، في حديثه للصحيفة، ما يحدث بأنه أشبه بفتح صندوق باندورا للثغرات الأمنية، في إشارة إلى حجم المشكلات التي باتت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على كشفها.
وقال متين إنه اضطر في إحدى المرات إلى العودة للعمل بعد ساعتين فقط من النوم في ليلة عيد ميلاده، في ظل الضغوط الناجمة عن متابعة الثغرات المكتشفة.
وأشار إلى تراكم المشكلات المدرجة على قوائم الإصلاح، موضحًا أن التعامل معها يتطلب تخصيص فرق متخصصة وموارد حوسبية كبيرة، إلى جانب متابعة الثغرات حتى معالجتها.
وبحسب التقرير، ترى الشركة أن مسؤولية مطوري الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على اكتشاف المشكلات الأمنية، بل تشمل أيضًا تعقبها والمساعدة في إصلاحها، مع السعي إلى فحص أكبر قدر ممكن من البرمجيات المستخدمة حول العالم.
ولا تقتصر هذه التطورات على "أوبن إيه آي"، إذ أعلنت "غوغل" أنها استخدمت نماذج الذكاء الاصطناعي لاكتشاف وإصلاح 1072 ثغرة أمنية في متصفح "كروم" خلال يونيو/ حزيران وحده، وهو عدد يتجاوز مجموع ما أصلحته خلال العامين السابقين.
وفي مؤشر آخر على اتساع جهود معالجة المشكلات الأمنية، ذكرت "مايكروسوفت" أنها أصدرت 1461 حزمة تحديث أمني خلال أكتوبر/ تشرين الأول، مقارنة بـ1247 حزمة خلال عام 2025 بأكمله.
وشملت موجة الاكتشافات أيضًا منصة البرمجيات "نود دوت جيه إس"، التي أصلحت نحو 50 ثغرة أمنية منذ بداية العام، متجاوزة بذلك عدد الثغرات التي عالجتها في أي عام سابق.
ويشارك في صيانة المنصة ماتيو كولينا، الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة "بلاتفورماتيك" الناشئة، الذي وصف التدفق الحالي للثغرات بأنه مجرد بداية لموجة أكبر.
وتوقع كولينا، في حديثه إلى "نيويورك تايمز"، أن يزداد الوضع سوءًا بمقدار عشر مرات، مشيرًا إلى أنه يعمل طوال أيام الأسبوع ويستعين بوكلاء الذكاء الاصطناعي للمساعدة في مواجهة حجم العمل المتزايد.
وقال: "لم يعد أحد يعرف كيف ستبدو هذه المهنة بعد الآن"، في إشارة إلى التحولات التي يشهدها عمل المتخصصين في الأمن السيبراني.
وتعكس هذه التطورات تغيرًا في طبيعة العمل الأمني، بعدما كان اكتشاف الثغرات يعتمد بدرجة كبيرة على مهارات الباحثين وخبراتهم وقدرتهم على تحليل الشيفرات البرمجية ورصد الأخطاء.
ومع انتقال جانب متزايد من عمليات الاكتشاف إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، بات الخبراء يركزون بصورة أكبر على معالجة المشكلات المكتشفة وتوجيه الوكلاء البرمجيين للمساعدة في إصلاحها.
وتثير هذه القدرات مواقف متباينة داخل قطاع التكنولوجيا، إذ يحذر بعض الخبراء من المخاطر المرتبطة بالتوسع السريع في اكتشاف الثغرات، بينما يرى آخرون أن هذه المرحلة قد تمهد لتحسين مستوى الأمن على الإنترنت.
وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لشركة "كلاود فلير"، ماثيو برينس، لصحيفة "نيويورك تايمز"، إن اكتشاف الثغرات يجعل العالم أكثر أمانًا في نهاية المطاف.
وتوقع برينس أن يشهد العامان المقبلان شعورًا متزايدًا بالخطر نتيجة الأعداد الكبيرة من المشكلات الأمنية التي ستُكشف، لكنه رجّح أن تؤدي معالجتها لاحقًا إلى جعل الإنترنت أكثر أمانًا.
الخبراء أمام تحديات متزايدة: الذكاء الاصطناعي يكشف آلاف الثغرات الأمنية
يشهد قطاع الأمن السيبراني تحولًا متسارعًا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الثغرات البرمجية، إذ باتت النماذج المتقدمة تكشف أعدادًا كبيرة من المشكلات الأمنية التي ظلت مخفية لسنوات، ما يضع الشركات وخبراء الحماية أمام تحديات متزايدة لمواكبة عمليات الإصل
